فاطمة بنت عبد الملك

ابنة خليفة وأخت الخلفاء وزوج الخليفة عمر بن عبد العزيز

اسمها ونسبها:

هي فاطمة بنت الخليفة عبد الملك بن مروان، وأخت الخلفاء الأمويين: الوليد وسليمان وهشام أبناء عبد الملك. وزوج عمر بن عبد العزيز الخليفة الصالح والذي جعله المؤرخون خامس الخلفاء الراشدين، وفيها قال الشاعر :

بنت الخليفة والخليفة جدها أخت الخلائف والخليفة زوجها

    

ولا يعرف امرأةٌ بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها، رحمها الله. يقول المؤرخون: لا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها.. كانت من أحسن النساء، النسيبة، الحسيبة، بنت الخليفة، ربيبة القصور، كانت ذا عقل كبير، وتدين عظيم.

 

صفاتها :

كانت فاطمة بنت عبد الملك حسنة جميلة بارعة الجمال ، تقية ورعة في دين الله ، متواضعة في عزة ، صابرة على الطاعة ابتغاء وجه الله والدار الأخرة، مخلصة لبعلها ، صحبت زوجها عمر بن عبد العزيز فأحسنت صحبته، وصبرت معه على زهد وتقشف، وروت عنه شيئا كثيرا. ولفاطمة ابنة عبد الملك مواقف رائعة مع زوجها عمر بن عبد العزيز فهي مثال للمرأة المسلمة والزوجة الصالحة وقدوة مضيئة لمن أراد أن يقتدي بسيدة فاضلة.

وروى عنها المغيرة بن حكيم الصنعاني اليماني، وعطاء بن أبي رباح، وأبو عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، ومزاحم مولى عمر. وكانت دارها بدمشق دار الضيافة التي أصبحت مأوى للعميان في العقبة خارج الفراديس

 

فاطمة بنت عبد الملك وشعر الغزل :

أورد صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني روايات لا يمكن أن تصدق على امرأة حرة مسلمة عادية ، فكيف بها أن تصدق على فاطمة بنت عبد الملك وزوج الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبد العزيز، ولا أورد الحكاية هنا إلا لكي تنتبه المرأة المسلمة من الوقوع في مزالق المؤرخين ، وخاصة ما ورد في كتاب الأغاني عن بعض الخلفاء والصالحين من انغماسهم بالخمر والمجون والغواني. 

 

روى عن أبي بكر القرشي أنه قال:

كان عمر بن ابي ربيعة جالسا بمنى في فناء مضربه وغلمانه حوله، إذا أ قبلت امرأة برزة  ليها أثر النعمة، فسلمت، فرد عليها عمر السلام، فقالت له :أنت عمر بن أبى ربيعة؟ فقال لها: أنا هو، فما حاجتك؟ قالت له: حياك الله وقرّبك، هل لك في محادثة أحسن الناس وجها، وأتمّهم خلقا، وأكملهم أدبا، وأشرفهم حسبا؟ قال: ما أحب إليّ ذلك! قالت: على شرط. قال: قولي. قالت: تمكنني من عينيك حتى أشدهما وأقودك، حتى إذا توسّطت الموضع الذي أريد حللت الشّدّ، ثم أفعل بك عند إخراجك حتى أنتهي بك إلى مضربك. قال: شأنك، ففعلت ذلك به. قال عمر: فلمّا انتهت بي إلى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي، فإذا أنا بامرأة على كرسي لم أرى مثلها قطّ جمالا وكمالا، فسلّمت وجلست.

فقالت: أأنت عمر بن ربيعة؟

قلت:أنا عمر.

قالت: أنت الفاضح للحرائر؟

قلت: وما ذاك جعلني الله فداءك؟

قالت: ألست القائل:

قالت وعيش أخي ونعمة والدي لأنبهنّ الحي إن لم تخـــرج
فخرجت خوف يمينها فتبسمت فعلمت أن يمينها لم تحـــرج
فـتناولت رأسي لتعرف مسّه بمخضب الأطراف غير مشنـّج
فلثمت فاها آخذا بقرونهـــا شرب النزيف ببرد ماء احشرج

 

ثم قالت: قم فاخرج عنّي، ثم قامت من مجلسها. وجاءت المرأة فشدّت عيني، ثم أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي. وانصرفت وتركتني. فحللت عيني وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله به اعلم. وبتُّ ليلتي، فلما أصبحت إذا أنا بها؛ فقالت: هل لك في العَود؟ فقلت: شانك. ففعلت بي مثل فعلها بالأمس، حتى انتهت بي إلى الموضع. فلما دخلت إذا بتلك الفتاة على كرسي. فقالت: إيهِ يا فضّاح الحرائر! قلت: بماذا جعلني الله فداك؟ قالت : قولك:

وناهدة الثديين قلت لها اتّكي على الرمل من جبّانة لم توسـد
فقالت على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلّفت ما لم أُعـوّد
فلماّ دنا الإصباح قالت فضحتني فُقم غير مطرود وإن شئت فازدَد

                                    

 ثم قالت: قم فاخرج عنّي. فقمت فخرجت ثم رددن. فقالت لي: لولا وشك الرّحيل، وخوف الفوت، ومحبتّي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك، هات الآن كلمني وحدثني وأنشدني. فكلمت آداب وأعلمهم بكل شي. ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا لي البيت، فأخذت أنظر، فإذا أنا بتور فيه خلوق، فأدخلت يدي فيه ث خبأتها في ردني. وجاءت تلك العجوز فشدت عيني ونهضت بي تقودني، حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها المضرب، ثم صرت إلى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ فهو حر وله خمسمائة درهم. فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم. فنهضت معه، فإذا أنا بالكف طرية، وإذا امضرب مضرب فاطمة بنت عبدالكلك ابن مروان. فأخذت في أهبة الرحيل، فلما نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة؛ فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك الله والرحم أن لا تصحبني ويحك! ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك. فسارت العجوز إليه فأدت إليه ما قالت لها فاطمة. فقال: لست بمنصرف أو توجه إليّ بقميصها الذي يلي جلها؛ فأخبرتها ففعلت ووجهت إليه بقميص من ثيابها؛ فزاده ذلك شغفا. ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم، حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك:

 

 ضاق الغداة بحاجتي صدري ويئست بعد تقارب الأمر
وذكرت فاطمة التي علقته عرضا فيا لحوادث الدهـر

                              

وفي هذه القصيدة مما يغني فيه قوله:

مــمكورة ردع العبير بها جمّ العظام لطيفة الخضر
وكأن فاها عنــد رقدتهـا تجري عليه سلافة الخمر

 

وروى عن أبي معاذ القرشي قال:

لما قدمت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان مكة جعل عمر بن أبي ربيعة يدور حولها ويقول فيها الشعر ولا يذكرها باسمها فرقا من عبد الملك بن مروان ومن الحجاج، لأنه كان كتب  إليه يتوعدّه إن ذكرها أو عرض باسمها. فلما قضت حجها وارتحلت أنشأ يقول:

كدت يوم الرّحيل اقضي حياتي ليتني مت قبل يوم الرحيل
لا أطـيق الكلام من شدة الخو  ف ودمعي يسيل كلّ مسيل
ذرفـت عينها وفاضت دموعي وكلانا يلقي بلبّ أصــيل
لـو خلت خلتي أصبت نوالا أو حديثا يشفي من التنويل
ولـظل الخلخال فوق الحشايا  مثل أثناء حية مقـــتول
فلقد قالت الحـبيبة لــولا  كثرة الناس جدت بالتقبيل

 

كلام فاطمة بنت عبد الملك في زوجها عمر بن عبد العزيز:

روى أن محمد بن الليث عن عطا قال: قلت لفاطمة بنت عبد الملك: أخبريني عن عمر بن عبد العزيز. فقالت: أفعل ولو كان حياً ما فعلت؛ إن عمر – رحمه الله- كان قد فرغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساء لم يفرغ فيه من  حوائج يومه، دعا بسراجه الذي  كان يسرج له من ماله، ثم صلى ركعتين، ثم أقعى واضعا رأسه على يديه، تسيل دموعه على خديه، يشهق الشّهقة يكاد ينصدع لها قلبه، أو تخرج لخلها نفسه، الشيء كان منك ما كان؟ قال: أجل فعليك بشانك، وخلّني و شأني، فقلت: إني أرجو إن أيقظ، فقال: إذن أخبرك إني نظرت فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، ثم ذكرت الفقير الجائع، والغريب الضائع، والأسير المقهور، وذا المال القليل، والعيال الكثير، وأشياء من ذلك، في أقاصي البلاد وأطراف الأرض، فعلمت أن الله عز ّوجل سائلي عنهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حججي، لا يقبل الله منّي فيهم معذورة، ولا تقوم لي مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حجّة، فرحمت والله يا فاطمة نفسي رحمة دمعت لها عيني، وجمع لها قلبي، فأنا كلما ازددت ذكراً ازددت خوفاً فأيقظي أو دعي. 

 

ولما مات عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – عنها، تزوجها داود بن سليمان بن مروان وكان قبيح الوجه، فقال في ذلك موسى شهوات:

 أبعد الأغرّ بن عبد العزيز قريع قريش إذا يذكر
 تـزوجت داود مختارة  ألا ذلك الخلف الأعور

                             

فكانت إذا سخطت عليه تقول: صدق والله موسى إنك لأنت الخلف الأعور، فيشتمه داود.

 

وفاتهـا:

توفيت فاطمة بنت عبد الملك -  يرحمها الله – في خلافة هشام بنت عبد الملك.

 

  //-->