العلي

قال تعالى: فالحكم لله العلي الكبير "12" (سورة غافر)

وهو العلي العظيم "4" (سورة الشورى)

وهو العلي الكبير "23" (سورة سبأ)

إنه علي حكيم "51" (سورة الشورى)

هو العالي علو الجلال والكمال، قال الحليمي من العارفين بالله في معنى العلى: إنه الذي ليس فوقه فيما يجب له من معالي الجلال أحد، ولا معه من يكون العلو مشتركاً بينه وبينه، ولكنه العلي بإطلاق. عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح دعاء قط إلا استفتح "بسبحان الأعلى الوهاب". يتجلى الله في علاه في مرئيات الإدراك، وفي خواطر الوجدان، وفي إبداع الصفة، وفي أسرار الغيب، فالأرض تضم أجناساً متعددة، وهي كالآتي:

الجماد: هو الساكن ظاهراً كتربة الأرض، أو المعادن، هذا هو الجنس الأول.

والجنس الثاني: هو النبات الذي يختلف عن الجماد، بأن الله وضع فيه خاصية النمو والحس.

والجنس الثالث: هو الحيوان الذي يتميز عن النبات بالحس والحركة.

والجنس الرابع: هو الإنسان الذي يتميز عن الحيوان بخاصية جديدة مضافة للنمو والحس والحركة، وهي الاختيار.

وكل الأجناس التي نراها في الكون لا تخرج عن هذه الأجناس: جماد ـ نبات ـ حيوان ـ إنسان، وكل الأجناس منضبطة انضباطاً قسرياً قهرياً، لا رأي لأحد فيه إلا الإنسان، ففيه جزء من السلوك قسري قهري كسير الدورة الدموية والتنفس وحركة الهضم وغير ذلك من الأمور التي لا دخل لإرادة الإنسان بها، كل الأجناس لها نظام قسري مضبوط على مهمة كل جنس، والسيادة في كل الأجناس للإنسان. يأتي الإنسان بعناصر الجماد فتتفاعل ولا تعصي، ويضع الإنسان البذور في الأرض، فتتحرك البذرة بالخواص التي خلقها الله لتمتص الغذاء المناسب لها من الأرض سواء كان أملاحاً أو عناصر غذائية مع الماء وينمو النبات حسب نوعه، ويتغذى حسب نوعه واحتياجه، وينمو ليصبح ثماراً للإنسان.

ولنا أن نندهش من قدرة الخالق الأعظم الذي خلق في النبات خاصة امتصاص الغذاء الصالح له من الأرض بواسطة الجذور التي يسميها العلماء "خاصية الأنابيب الشعرية". إذا قارنا النبات وهو يمتص غذاءه بهذه الخاصية وبين التطبيق التجريبي في معامل العلماء عن "خاصية الأنابيب الشعرية" فلسوف نجد اختلافاً واضحاً بين تنفيذ النبات لخاصية امتصاص الغذاء بالأنابيب الشعرية وبين خاصية امتصاص الأنابيب الشعرية في المعامل العلمية.

إن الخالق الأكرم خص النبات بجذور تملك قدرة امتصاص الغذاء المناسب لكل نبات على حدة، بينما أنابيب المعامل العلمية تمتص ما يوضع لها من سوائل أي سوائل. إن الأنابيب الشعرية في المعامل لا تملك ما يسميه العلماء "خاصية الانتخاب الغذائي" التي يملكها النبات، وخاصية الانتخاب الغذائي موجودة في كل نبات، يختار منها المواد الغذائية المناسبة له من التربة. وهكذا نتعرف على أن خاصية الانتخاب الغذائي في النبات تقتضي وعياً أن كل نبات يعرف تمييز الغذاء المناسب له تماماً من عناصر تربة الأرض. ولنا أن نسأل: من الذي هدى النبات إلي أن يختار المواد الغذائية التي تناسبه؟ إنه الله الأعز الأكرم، هو الذي "قدر فهدى"، والحق سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: سبح اسم ربك الأعلى "1" الذي خلق فسوى "2" والذي قدر فهدى "3" والذي أخرج المرعى "4" فجعله غثاء أحوى "5" (سورة الأعلى)

إن الإنسان عندما يتدبر أمر النبات تتجلى له آيات الله الباهرة التي جعلت لكل نبات غريزة غذائية يمتص بها الصالح له من مواد الأرض. فالقصب يختار ما يناسبه من مواد، والفلفل يختار له ما يناسبه من مواد الأرض، والمانجو تختار ما يناسبها، وكذلك التين والتمر. كل نبات يمتلك غريزة خاصة به يحقق بها خاصية "الانتخاب الغذائي" وكل نبات كما هو حال كل كائن قدر له الله السبب الذي يوجد من أجله، ومنحه هداية إمكانات النمو المناسبة له، وهذه أحد أسرار عظمة الخالق الأعز الأكرم.

هكذا نرى عظمة الخالق التي تهدي كل كائن إلي القدرة على التفاعل والاختيار المناسب، وكما يحدث ذلك في النبات نجده يحدث أيضاً بشكل آخر في الحيوان، نجد أن هناك هداية لبعض الحيوانات عندما نتأملها نرى العجب. فالتمساح على سبيل المثال يخاف الإنسان منه ويرهبه، هذا التمساح يفتح فمه في بعض الأوقات ليسمح لنوع معين من الطيور أن يتغذى على بقايا طعام التمساح، والتمساح يفتح له فمه ويترك للطير فرصة التقاط بقايا الطعام من فمه. وهذا النوع من الطيور هو الذي يقوم بدور الإنذار المبكر لأي خطر يهدد التمساح، فإذا رأى الطير عدواً للتمساح فهو الذي يحذر التمساح من الخطر القادم عليه.

أما الإنسان فهناك أمور في حياته قسرية، كالتنفس مثلاً كالهضم، كل هذه عمليات قسرية لازمة لحياة الإنسان، فالتنفس لازم لمزج الدم بالأكسجين اللازم له، وأن يطرد الإنسان من خلاله الهواء المحمل بثاني أكسيد الكربون، كل ذلك ليصل الدم إلي المخ محملاً بالغذاء الصافي للمخ وهو الأكسجين والجولوكوز. وتحدث تلك العملية "عملية تنقية الدم بالتنفس" دون وعي من الإنسان لا يلاحظها، ولكنها تتم على الرغم منه، فالإنسان يتنفس نائماً أو مستيقظاً دون تدخل إرادي منه. هكذا تتجلى حكمة الخالق الأكرم في قوله تعالى: سبح اسم ربك الأعلى "1" الذي خلق فسوى "2" والذي قدر فهدى "3" (سورة الأعلى)

قدر للجماد مهمة فهداه إليها، قدر للنبات مهمة فهداه إليها، وقدر للحيوان مهمة فهداه إليها، وقدر للطير مهمة فهداه إليها، وقدر للإنسان مهمة في غير مجال الاختيار بين البدائل فهداه إليها. إن كل شيء في الكون موجود بتقدير وهداية من الخالق العزيز الكريم، ولننظر إلي الإنسان أثناء تناول الطعام، إن القصبة الهوائية للإنسان تسدها "اللهاة" أثناء بلعه الطعام، و"اللهاة" تشد القصة الهوائية حتى لا يتسرب إليها جزء من الطعام فتفسد حياة الإنسان. وإذا تسربت قطعة صغيرة من الطعام ولو حبة واحدة من الأرز، فالإنسان يجد نفسه مصاباً بنوبة من السعال حتى تتم عملية طرد حبة الأرز من المكان غير المخصص للطعام،إنما مخصص للتنفس، وهكذا نرى أن الإنسان في غر مجاله الاختياري خاضع لمبدأ: والذي قدر فهدى "3" (سورة الأعلى)

أما في مجال الاختيار الإنساني فنجد من يقبل التكاليف الإيمانية بقبول واقتناع وإيمان، فيكون قد اهتدى بالطريق الذي رسمه الله للهداية، وإذا لم يقبل الإنسان التكاليف الإيمانية فهنا تبدأ رحلة الإفساد في الأرض. ومن فضل الله على الإنسان أن الإنسان لا يفسد شيئاً إلا في مجال الاختيار، وكل أمر لا اختيار لنا فيه لا يستطيع أحد أن يفسده. وهذه رحمة من الله إذ جعل كونه مقهوراً ليعمل مسخراً للإنسان. والحق سبحانه وتعالى يهدينا إلي أن نزن كل أمر من السلوك الإنساني، وليأخذ الإنسان ميزان ذاته من الوجود الذي حوله، الشمس لها نظام للشروق والغروب، والقمر والنجوم والريح والزرع، كل شيء له نظام محكم.

فإذا أراد الإنسان أن يعتدل ميزانه الخاص الاختياري فليحكم نفسه بمنهج الله، لتستقيم للإنسان أمور ذاته كما استقامت له السيادة في الكون المسخر بحكمة الله وبديع صنعه ولنقرأ آيات الرحمن فنعلم منها كيفية أن يرى الإنسان سلوكه:الرحمن "1" علم القرآن "2" خلق الإنسان "3" علمه البيان "4" الشمس والقمر بحسبان "5" والنجم والشجر يسجدان "6" والسماء رفعها ووضع الميزان "7" ألا تطغوا في الميزان "8" وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان "9"(سورة الرحمن)

ينبهنا الحق سبحانه وتعالى أنه علم القرآن وخلق الإنسان هادياً له حياة القيم بالقرآن، وأعطى الإنسان القدرة على التعبير عن نفسه مميزاً له بحق الاختيار عن كل مخلوقاته، وعلى الإنسان أن يتأمل الكون، ففي الكون نظام دقيق للشمس والقمر. وهذه السورة نزلت منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، ولم يتوصل الإنسان إلي المعرفة الشاملة لحركة الشمس والقمر إلا منذ ثلاثمائة عام فقط، والنجوم في أفلاكها تتحرك بنظام وميزان دقيق، والنبات والشجر خاضعان لمشيئة الله. إن هذا الكون محكوم بميزان دقيق، على الإنسان أن يتأمله ويتعلم منه بأن تستقيم حركة الإنسان الاختيارية في الكون، فلا يطغى، إنما يقيم معاملاته على أساس من الحساب الدقيق للاستقامة في السلوك الإنساني كما استقام الكون من حول الإنسان.

إننا عندما نتأمل كلمة "الميزان" نجد أن تكرارها في سورة الرحمن إنما أراد الله به أن يؤكد أن الله علم القرآن للإنسان دستور القيم المعنوية فوق القيم المادية. كما نجد أن كلمة الميزان تأتي ليعلم الإنسان كيف يقيم الميزان في الحياة لكل عمل من أعماله مستهدياً ومهدياً، وله من آيات الله في الكون دلائل على أن ميزان السماء لا يخطئ. إن الخالق جل جلاله يكرر كلمة الميزان ليلفت الإنسان إلي أن الكون من حوله له نظام معتدل وموزون، وله دقة وإحكام، وهذا ما يشجع الإنسان على أن يقيم الوزن بالعدل في سلوكه، ليتفهم أن العبادات طريق إلي إقامة ميزان العدل في الحياة، قبل أن تكون العبادات طريقاً إلي الجنة. هذا النظام الكوني حلو الإنسان يشجعه على أن يتبع هدى الرحمن. والذي قدر فهدى "3" (سورة الأعلى)

وإذا كان الخالق الأكرم "الذي قدر فهدى" هو الذي أنزل القرآن على رسوله الكريم ليبشر به الإنسان، فعلى الإنسان المؤمن. أن يتبع هذا المنهج حتى تستقيم له أمور ذاته ونفسه، إن على الإنسان أن يأخذ منهج الله مأخذ الجد والتطبيق، لأنه منهج "الذي قدر فهدى".

  عودة للقائمة الرئيسيّة

  //-->